هاني شاكر
كتب : صفوت دسوقي:


لا* ‬يحتاج الحلم الي تفسير*.. ‬لا* ‬يحتاج الغريب الي دليل حتي* ‬يعرف منه في أي مكان* ‬يسكن ويتربع الحزن*.. ‬فهو* ‬يلازم الفنان الكبير هاني شاكر وكأنه جزء أصيل من ملامحه*.. ‬الصوت المفعم بالبهجة دائماً* ‬صار باهتاً* ‬وباحثاً* ‬عن دعوات الصبر علي قضاء الله*.. ‬ونظرة العين التي كانت تصدر الأمل أصبحت* ‬يائسة وشاردة تشتاق الي الاستقرار*.‬
رحلت* »‬دينا*« ‬الابنة الكبري للفنان الكبير هاني شاكر بعد صراع مع المرض اللعين استمر عامين*.. ‬رحلت وتركت خلفها ميراثاً* ‬من الحزن من رابع المستحيلات ان تخفي معالمه الأيام*.. ‬أو تلتهم من رصيده الألحان*.‬
قبل شهر تقريباً* ‬من الوفاة تحدثت تليفونياً* ‬مع هاني شاكر وجاء صوته حزيناً* ‬وكأنه قادم من بعيد*.. ‬وعند سألته عن السبب أجاب بأن حالة* »‬دينا*« ‬الصحية تراجعت وتدهورت وانه* ‬يفكر في السفر للخارج بحثاً* ‬عن طائر الشفاء*.. ‬وقال أيضاً* ‬إن الأطباء نصحوه بالصبر لأن حالتها لا تسمح ولا تتحمل متاعب السفر*.. ‬وبناء عليه قرر الأب الالتزام بنصائح الأطباء وقرر أيضاً* ‬أن* ‬يتمسك بالأمل مهما ضاقت أمامه السبل واشتدت به المحن*.‬
وعندما تراجع الأمل في الشفاء راح هاني شاكر* ‬يطلب الدعاء من القريب والبعيد لابنته التي جاءت الي الدنيا رافضة الرهان علي زوال ورافضة أيضاً* ‬الركوب علي أجنحة مكسورة*.‬
ومرت الأيام وجمعني لقاء بالفنان هاني شاكر*.. ‬والحقيقة أن ملامح وجهه لم تكن تكشف عن خير أبداً*.. ‬وبعد جلسة طويلة قال لي*: ‬كان نفسي تشوف أولاد دينا* »‬مليك*« ‬ومليكة*.. ‬لأنهم منورين عليا حياتي*.. ‬لمست في كلامه عن أحفاده بأنه قرر ان* ‬ينقل الأمل والحلم إليهم*.. ‬راح الفنان* ‬يكتم خوفه وشجنه مع الصغار*.. ‬يلعب معهم ويستعيد ذكريات أيام جميلة مضت*.. ‬ويحاول بناء جسور جديدة مع المستقبل*.‬
وفجأة ساءت حالة* »‬دينا*« ‬بشكل* ‬غريب وغير متوقع وتم نقلها الي مستشفي شهير بالمهندسين وظل* »‬الأب*« ‬بجانبها* ‬يتحرك بين مشاعر الألم والرجاء*.. ‬تارة تتحسن فيرتفع مؤشر التفاؤل وتارة أخري تتراجع فيغلف اليأس والاحباط كل أفراد الأسرة*.. ‬وقبل الرحيل بساعات أخبرني هاني شاكر بأن»دينا*« ‬تتحسن وعلي وجهه ابتسامة جميلة وكان بوسعه ان* ‬يغني لها مرات ومرات حتي ترتفع الابتسامة الي ضحكة كبيرة تملأ فراغات الدنيا*.. ‬لكن الابتسامة كانت تخفي خلفها استئذاناً* ‬في الانصراف*.. ‬كانت الابتسامة علامة أخيرة من علامات اقتراب الأجل*.. ‬اقترب هاني شاكر بوجدان الأب والانسان والفنان من حلم عمره* »‬دينا*« ‬وفي عينيه نظرات توسل بالبقاء في عالم الأحياء*.. ‬لكن* »‬دينا*« ‬أرادت من الأب أن* ‬يكون قوياً* ‬وصلباً* ‬فطلبت منه أن* ‬يغني طول العمر*.. ‬طلبت منه أن* ‬يغني لكل شيء وألا* ‬يحبس نفسه خلف أحزان لا تموت أبداً*.‬

وبعد ذلك جاءت النهاية وردة الدنيا وزهرتها الي دنيا الصمت والسكوت*.. ‬رحلت عن عالمنا ولن تعود،* ‬ويدخل الفنان بعد اللقاء الأخير في موجات من الحزن شديدة الارتفاع*.. ‬لكنه مطالب أمامنا بتنفيذ وصية الابنة الغالية* »‬دينا*«.. ‬وهي الغناء حتي آخر العمر*..‬