«العسكرى» ليس على مسافة واحدة

هل من المنطقى أن يقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة على مسافة واحدة من جميع الأطراف الموجودة على الساحة الآن؟

لابد أن نعرف أولا ما هو المجلس العسكرى فى هذه اللحظة؟ هو يقوم مقام رئيس الجمهورية الآن، أو هو الجهة السيادية الوحيدة فى مصر بعد الثورة كونه الحاكم الفعلى للبلاد حاليا، حتى وإن قسم أعضاؤه جهد أيمانهم أنهم لا يحكمون، بل فقط يديرون.

ويجب أن نعرف ثانيا طبيعة الأطراف التى تلعب على الساحة فى هذا التوقيت العصيب، فعلى مستوى السياسة لدينا أطراف قائمة وموجودة منذ ما قبل ثورة 25 يناير، ولدينا أطراف طفحت فجأة على بشرة مصر بعد الثورة، وعلى الرغم من أن بعضها يعادى فكرة الثورة ويرفضها من الأساس إلا أنه يريد امتطاءها ويسير بها إلى حيث يريد وحده وكأنها من أملاكه الخاصة، أو هى كلأ مباح له.

وعلى المستوى المجتمعى لدينا مواطنون مصريون عاديون وطبيعيون، ولدينا بلطجية وفلول ومحرضون على الانفلات الأمنى ورعاة للفوضى والجريمة المنظمة.

وعلى المستوى الفكرى والثقافى لدينا نخبة واعية ومدركة لجوهر الشخصية المصرية والتحولات الاجتماعية والسياسية التى تصاحب وتعقب الثورات، ولدينا أفاقون وبكاشون ومتنطعون وتجار كلام سبق لهم أن باعوا البضاعة ذاتها أيام النظام الساقط وحصلوا على الثمن باهظا، والآن يريدون إعادة بيع البضاعة فى عهد جديد مناقض تماما فى قيمه للعهد الذى أنجبهم وترعرعوا فى كنف فساده.

تلك هى ملامح الصورة فى مصر الآن، ومن ثم فعندما يقال إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يجب أن يقف على مسافة واحدة من كل الأطراف فإننا نكون أمام حالة عبثية أو معادلة مختلة وجملة غير مفيدة على الإطلاق.

وبما أن «العسكرى» هو السلطة الحاكمة فى مصر الآن فإنه مطالب ومسئول عن الحفاظ على روح مصر وشخصيتها التاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية وبكلمة واحدة «الحضارية»، وعليه أن يسلمها لأى حاكم يأتى بعده كما هى، مصر كما يعرفها ويحبها أبناؤها، وكما خبرها العالم وقرأ ملامحها.

وبالتالى لا يصح أن يكون المجلس على مسافة واحدة ممن يريدون الذهاب بمصر إلى المستقبل، ومن يريدون الارتداد بها إلى ماض مظلم.. أو أن يكون على أبعاد متساوية من مفكرين ومثقفين وسياسيين محترمين وأكفاء، ومن تجار عنف وقتل منحتهم الثورة الحرية فتعاملوا معها باعتبارها جارية لهم يأمرونها فتطيع ويعبثون ببهاء ملامحها.

إذن لا يصح أن يكون المجلس العسكرى فى منتصف المسافة بين أطراف يبدو ما بينها مثل الذى بين النور والعتمة، ولا يستقيم أبدا ن يتساوى عصفور مغرد مع محترفى الصياح وتجار الكلام.